كفاح زمن الطيبين- ج1

 

للإعلان في نشرة الفنر الثقافية أضغط هنا
للمشاركة في نشرة الفنر الثقافية أضغط هنا

كفاح زمن الطيبين - ج1

تصوير/ ابتسام بدر الذُخر
تحرير/. فاطمة العالي

جزيل الشكر للسيد/ عبدالله باقر. 
صاحب المتحف التراثي بالرفاع الشرقي

كفاح زمن الطيبين



في حوار أجرته الفنر مع الاستاذ عبد الله الباقر صاحب المتحف التراثي في الرفاع الشرقي، تحدث فيه عن جيلهم وكفاحهم وأبرز ما واجهوه من تحديات في سبيل العيش الكريم.
ربع روبية
ومن بين ما واجهوه من تحديات قال الاستاذ عبد الله مخاطباً الجيل الحاضر والاجيال السابقة، بإنهم كانوا يعيشون حياة متواضعة محدودة الامكانيات، فكانوا يذهبون إلى المدرسة في الصباح وإلى السينما مقر عملهم في المساء، يقومون بتصفيف المقاعد قبل ابتداء الفلم، وازالتهم بعد انتهاءه، وذلك يجاوز الحادية عشر والنصف مساءاً، مقابل أجر زهيد اربعانات ” ربع روبية ” في الأسبوع.
أيام جميلة
كنا نذهب إلى مدرسة القضيبية مشياً على الاقدام لمسافة طويلة تبدأ من منازل العمال بجانب البناية الكويتية وتنتهي عند المدرسة، كنا نجتمع نحن طلاب المنطقة ونذهب مع بعضنا ويحمل كل منا شنطته، كانت أيام جميلة، نسعد فيها مع بعضنا البعض، فكلنا كنا أصدقاء واخوان ونسكن في منازل العمال التي تسمى منازل الحكومة، وكان مدير المدرسة آنذاك الاستاذ عبد علي.
عملي لدى اليهودي
بعد العودة من المدرسة كنت أذهب للعمل لدى يهودي أسمه إسحاق قحطان في باب البحرين، براتب ثلاثة دنانير شهرياً، كنت أجهل القراءة والكتابة بحكم عمري الصغير، حيث كنت في الاول الابتدائي، وكنت ملزوماً بالانفاق على اخواني لأن أبي لا يعمل، كان إسحاق كل يوم يرسلني إلى سوق الأربعاء  بجانب فندق عذاري لتحميل المتاع، كنت أحمل الكرتون بمشقة على رأسي من سوق الأربعاء بجانب فندق عذاري إلى نادي الفردوسي المسمى أيضاً نادي باكستان، بجانب منازل الديوان للمرحوم الشيخ عيسى، حيث كان يسكن إسحاق اليهودي في أحد هذه المنازل، كانت لدى اليهود طقوساً في عقيدتهم تحرم عليهم في يوم السبت لمس الباب أو الكهرباء أو فتح الثلاجة أو لمس النور، فكنت أذهب لهم كل سبت لاشعال النور وعمل كل هذه الأمور.

موقف طريف
حين وصلت إلى صف الخامس الابتدائي، اذكر موقف حدث لي في المدرسة مع أخي الذي هو معي في المدرسة ذاتها، ولكن صفه في الطابق العلوي وأنا في الطابق السفلي، في مدرسة الوسطى التي كان مديرها آنذاك سعيد شبر، كنا نخرج من الباب الخلفي الذي يقع بجانب السينما، وكان يقذف علي حقيبته فأتلقاها منه وبعد ذلك نخرج من المدرسة، فذات يوم حينما كان أخي واقفاً ينتظر أن  أقذف عليه حقيبتي، باغته الأستاذ من الخلف بالخيزران على ظهره، فأخذتني الحمية على أخي ونزلت من الأعلى صارخاً على الأستاذ ” لماذا تضرب أخي ؟“ فسمعني مدير المدرسة سعيد شبر وجاءنا مستفسراً، فشكوت إليه الاستاذ الذي ضرب أخي، هذه من المواقف الطريفة التي حدثت.

العمل صباحاً ومساءاً
بعد ذلك بفترة تعذر علي الدراسة لعدم وجود من ينفق علينا، فتركت المدرسة وذهبت للعمل لدى إسحاق اليهودي صباحاً وعصراً، فكنت أعمل للمساء بالراتب ذاته، ثلاثة دنانير شهرياً، وكل يوم كنت أقوم بأخذ الأوراق والشيكات الى البنك البريطاني، المسمى ” اج اس بي سي“، كنت أصادف يومياً المرحوم جاسم بن علي باقر المالك لمطاعم بو علي، فسألته عن شواغر لوظيفة مراسل، ورد علي بالنفي، أثناء ذلك كان مدير القسم وهو بريطاني الجنسية يراني كل يوم آتي لسؤال جاسم، فبعد خروجي ذهب له وسأله عن مطلبي، وأخبره جاسم عن رغبتي بالعمل مراسل لديهم، فأمره المدير بتوظيفي.
” من باجر أنت فنش“
بعد استلامي لوظيفتي في البنك بثلاثة أيام، ذهب إسحاق اليهودي يشكوني إلى مدير البنك، فطلبني المدير وسألني مستنكراً عن انتقالي للعمل لديهم وخروجي عن اليهودي الذي هو زبون لديهم وسيغلق حساباته بسبب هذا الأمر، وختم استنكاره قائلاً ” من باجر أنت فنش ”، فقلت له هو لم يستملكني، أنا انسان حر، فكنت أعمل لديه صباحاً وعصراً ومساءاً بثلاثة دنانير، بمرتب ثلاثة دنانير فقط، وانتم تعطونني اثنتي عشر ديناراً، بمقابل دوام نصف نهار، وحتى حين تعفوني من العمل لديكم لن أعود للعمل عنده، سأبحث عن عمل آخر، فحين سمع إسحاق اليهودي هذا الأمر قال لهم لا بأس لا تعفونه من العمل لديكم، لا أريده للعمل عندي.
إكمال دراستي
عملت في البنك البريطاني منذ العام ١٩٦٦م، في العام ١٩٨٤ م، أقترح علي المرحوم أحمد الجابر المدير التجاري في البنك الذي كنت أخدمه ويكن لي مشاعر الود، بإكمال دراستي، فقلت له لا داعي لذلك فأنا مرتاح ومرتبي سيصل قريباً إلى أربعمائة وخمسون روبية ” خمسة وأربعون ديناراً“، فطلب مني إكمال دراستي وذهب للمدير البريطاني يحادثه في الأمر فأرسلوني لدراسة اللغة الانجليزية في بلغلوت الذي يملكه حسن زليخ وأخيه، وكان يقع آنذاك بجانب برادة جواد، درست لديهم لمدة ثلاثة أعوام، وبعد حصولي على الشهادة قام المدير احمد الجابر بإرسالي إلى برتش كونسل، وأنا مازلت مراسل، بعد دراستي في برتش كونسل لثلاثة أعوام وحصولي على الشهادة، أخبروني بإرسالي إلى دبي لأكبر كورس يضم جميع مدراء الفروع في العالم، فنجحتُ في الاختبار وحصلت على الشهادة.
من مراسل إلى مسؤول إداري
 وفي اليوم التالي أرسل علي المدير العام البريطاني والمدير أحمد الجابر وبلغوني بالجلوس مع مسؤول الادارة للتدريب منه على وظيفته، فكنت حينذاك بلباس المراسلين اذهب له ويجعلني واقفاً ولا يدربني كي لا أسلب منه مركزه، وسط تعجب الكثير من الموظفين كيف لمراسل أن يتحول إلى مسؤول ادارة في بنك يحتوي على ثلاثمائة موظف، وذلك ليس عيباً فالحياة كفاح ويجب أن تُري كل من حولك انك انسان اجتهدت على نفسك، وهذا ما نريده لشبابنا الحاضر، لا أن يذهب جل وقتهم على الهاتف والتسالي، فكنت كل ما اذهب لمسؤول الادارة البريطاني يمتنع عن تدريبي، رغم اعطاء البنك له مدة ثلاثة اشهر للامتحان، فإذا لم اجتازها سيعيدونني إلى وظيفة المراسل او إعفائي من البنك ككل، ففي أحد الايام غادر مكتبة فرن هاتفه وجلست أنا على المكتب ورفعت الهاتف بلحظة دخول صديقته في زيارة خاصة له، فنهرتني على الجلوس على مكتبه، رغم انها ليست موظفة معنا، فأعتذرت منها ووقفت، حين عاد المسؤول ورآها، أمرني أن أحضر لها الشاي، فأحضرته لها، وأخبرها بقلقه حيال أخذي منه مكانه ووظيفته، أو في حال ذهبت لإخبار المدير العام بزيارتها واستخدامه إياي لخدمتها واحضار لها الشاي، فذلك يستجلب غضبهم ويحملهم على اعفاءه من وظيفته واعادته الى لندن، فقلت له لا تقلق، وقال لي أنا أحببتك ومنذ اليوم سأدربك للحصول على مكاني، فقام بتدريبي كل يوم على كافة الامور من اقتصاد البنك ومشترياته والمراسلين والسائقين، ففي اليوم الاخير اصطحبني الى المدير العام وأخبره إني جاهز لهذه الوظيفة، فتسلمت رسالة من البنك انه في حال اتقاني لهذه الوظيفة سيتحول راتبي من خمسة وسبعون ديناراً إلى ثلاثمائة وسبعون دينار، فحدث الضجيج والاستغراب في البنك عن أخذي لمكان البريطاني رغم إني مراسل.
اعفائي من المنصب
بعد تسلمي للادارة، أخذت في تخفيض المشتريات، فأشتكى علي أحد التجار الى المدير التجاري، وذلك كان قبل اتمامي لثلاثة أشهر التجربة، فطلبني المدير التجاري، وسألني عن قطعي للاتفاقيات بين البنك وبين الزبائن، وغضب مني للتسبب في غضب الزبائن من البنك ولم يسمح لي بالحديث، وأحرجني أمام الزبون ولكن لم أحمل في قلبي عليه، فبعد عودتي لمكتبي اتصلت بي سكرتيرة المدير العام وأبلغتني بطلب المدير لحضوري، وعند حضوري أبلغتني السكرتيرة انه لا يرغب برؤيتي ويخيرني أما ان اعود لوظيفة مراسل أو اقدم استقالتي من البنك ككل، فطرقت الباب عليه وطلبت منه الاستماع إلي كي يعرف وجهة نظر الطرفين وليس طرف احد فقط، فإن كنت مخطئ لا أمانع من تقديم استقالتي أو اعود لمراسل، ولكن إن كنت صاحب حق يجب أن تنصف بيني وبين المدير التجاري، فلم يستجيب لي، ففتحت الباب ودخلت بالرغم عنه، وقلت له أعطني من وقتك دقيقة واحدة فقط، فقال لي انتهى الامر فالمدير التجاري قدم فيك شكوى بتسببك في غضب الزبائن واغلاق حساباتهم، يجب عليك تسليم المفاتيح والذهاب، فطلبت منه الاستماع إلى لدقيقة واحدة، فوافق أخيراً، قلت له إنك حين سلمتني المنصب كان ذلك أمانة فكيف لي أن أصبح مثل المدير الذي سبقني والذي سبقه، أوقع على الاوراق مغمض العينين، فقال لي انه لا يفهم مقصدي، فقلت له انك حين سلمتني المنصب نويت أن ازيد من أرباح البنك، فضربت له مثلاً كي يفهم، وقلت له لو كان هناك خباز واحد فقط في المحرق، فهما كانت جودة الخبز الذي يصنعه، فأنت مضطر للذهاب إليه، ولكن لو تم فتح خباز آخر قريب من منزلك وجودته أفضل، فإلى أي خباز تذهب؟ فقال لي انه سيذهب إلى الخباز القريب، فقلت له في السابق كان هناك مطبعة واحدة فقط، أما الآن فهناك أربعين مطبعة، بأحسن جودة، وأرخص سعراً، فكيف لي أن أغمض عيني وأوقع، أنا وفرت على البنك خمسون ألف ديناراً خلال أسبوع، إن كنت تريدني أن اغمض عيني لا مانع لدي، فلستُ انا الخاسر، البنك هو من سيخسر، فقال لي يا عبد الله اذهب إلى مكتبك وأنا سأصدر قرار لكل البنك ألا يخطو أحداً خطوة إلا بأمرك، وأنت المسؤول.
من جمعني بهم البنك
 من زملائي في البنك كانوا عبد الرحمن بو علي، وأحمد الشروقي، وعبد الله كمال، وعزيز بوجيري، ومن قام بترقيتي هو مستر ليبسي. 
أوجد لنفسك العمل
البحريني سابقاً يكافح وهو شاب، ويعلم ابناءه، أما الآن فالابناء يأخذون كل شيء جاهزاً، يجب عليك أن تكون مكافح ولا تطلب من والدك أن يبحث لك عن عمل، أنت من أوجد لنفسك العمل، فنحن أحياناً كنا نعمل في وظيفة البناء براتب ثلاثة روبيات فقط، الحياة كفاح، ويجب على الانسان أن يعرف قيمته بالدرجة الأولى وقيمة وطنه، أنا متقاعد من العام ٢٠٠٦ وأعيش حياة رغيدة لأن الكفاح هو نصر وشرف للإنسان، الاخلاص والايمان والشرف ودعاء الوالدين أهم شيء يساعد في إيصال الإنسان لما يريد.
الكفاح
حين بدأت بالعمل في البنك البريطاني كان راتبي ضعيف جداً، في أحد الأيام عندما كنت أقرأ الجريدة قرأت اعلان لشركة جديدة اسمها ووكوسون، لمجاري البحرين، يرغبون بمخلص، فذهبت لهم وقابلت المدير الذي يسمى هوكسلي، قال لي أنت مراسل في البنك الذي نملك في حساباتنا، فكيف تعمل في المكانين، فقلت له سأعمل لديكم بنظام جزئي، لم يوافقوا في بادئ الأمر، ثم اتصلوا بي بعد ثلاثة أيام، وعملت لديهم لمدة عشرة أعوام، الصباح في البنك وعصراً لديهم، وهذا هو الكفاح الذي يجب ان يلتزم به كل رجل كي يصنع نفسه ولا يحتاج للغير، فأثناء عملي في البنك جاهدت وعملت بكافة الأشياء وشاركتهم أفكاري، وطلبت منهم شراء البيك أب لنقل النقود والبضائع، وطلبت توظيف الحمالي الكهربائي والنجار، البحريني ذكي حين يُعطى الفرصة ويشارك أفكاره.

لا يضيع تعب الانسان، فالله يكافئك على اخلاصك وعلى جهدك، التاريخ طويل والكلام كثير، وما أود قوله أخيراً أن لا تعتمد على غيرك، اعتمد على نفسك واصنع قصة كفاحك كي تعيش غداً الحياة العيش الرغيد.  

إرسال تعليق

1 تعليقات

  1. وهكذا تواصل نشرة الفنر تميزها بتنوع المحتوى وجودته لتتفوق على كل وسائل الاعلام في العالم العربي اضافة الى تفردها في كيفية نقل المحتوى ليكون مرئيا ومسموعا ومقروءا ... بوركتم وبارك الله خطواتكم .... اللقاء مع الاخ عبدالله باقر اكثر من رائع ... شخصية عصامية رائعة وكم اتوق للقاء به وزيارته في متحفه ... بوركتم وبارك الله خطواتكم

    ردحذف
Emoji
(y)
:)
:(
hihi
:-)
:D
=D
:-d
;(
;-(
@-)
:P
:o
:>)
(o)
:p
(p)
:-s
(m)
8-)
:-t
:-b
b-(
:-#
=p~
x-)
(k)