شهادات راشد بن عبدالرحمن الزياني

 

للإعلان في نشرة الفنر الثقافية أضغط هنا
للمشاركة في نشرة الفنر الثقافية أضغط هنا

شهادات الوجيه راشد بن عبد الرحمن الزياني

اجرى اللقاء: الشاعر ابراهيم الانصاري 
المادة التحريرية: فاطمة العالي
شهادات توثيق لسير مربين ومربيات أفاضل امتهنوا أنبل مهنة في سلك التعليم على مدى حقب وسنين من الزمان، فأثروا من خلالها بجهودهم وتفانيهم وإخلاصهم في نماء وتطور الخدمات التعليمية في مملكة البحرين.
كانت البحرين ومنذ القدم واحة للعلم والمعرفة، وبدءاً كان نظام التعليم فيها مقصوراً على الكتاتيب ” المطوع ” وهي حلقات تعليمية تقليدية يتعلم فيها الناشئة مبادئ القراءة وحفظ القرآن الكريم وشيئاً من الحساب والرياضيات البسيطة.
الخميسية
في لقاء مع الوجيه راشد بن عبد الرحمن الزياني اجراه الشاعر ابراهيم الانصاري، بدأ بالتحدث فيها عن مهنة من أنبل المهن في تاريخ البشرية، التي قال عنها الشاعر ” قم للمعلم وفهِ التبجيلا.. كاد المعلم أن يكون رسولا ” وأفتتح حديثه عن ” المطوع ” قائلاً إن الجلوس في المطوع لم يكن على كراسي وطاولات وإنما كانوا يجلسون على الأرض، وأغلبهم كانوا يجلسون على ” خيشة ” وتكون خاصتهم، المطوع رجل نصف ديني متعلم تعليماً بسيطاً، يدّرس القرآن دون أجرة لأن على حسب اعتقاده إن التعليم الديني يجب أن لا يكون بأجرة، ولكن في يوم الخميس من كل اسبوع يحضر كل طالب معه مبلغ بسيطاً تُسمى ” خميسية ”مما يُقارب ” روبية ” وهذه المبالغ البسيطة هي التي يعتاش عليها، والذي لا يحضر معه ” خميسية ” يناله العقاب، قد يكون والد هذا الطالب بخيل أو لم يكترث، ولكن الطالب المسكين هو من يتحمل الثمن بالعقاب، والعقاب يكون بوضع رجل الطالب في ” الجحيشة ” وهو عمود مربوط به حبل متواصل وتُدخل أرجل الطالب بين الحبل وبين العمود، ويمسك بالعمود تلميذين من الجهتين، ويغلقون على رجل الطالب كي تكون بارزة، والمطوع يضربه بالعصا في قاع رجله، الضرب يؤلم ولكنه لا يضر، لأن قاعة الرجل لينة على كل حال.
التحميدة
حين يختم الطالب القرآن، تكون هذه فرصة المطوع للحصول على أجر التعليم، فالطالب الذي يختم قراءة القرآن كاملا، يُلّبس لباس خاص، فيضع على رأسه لباس جميل، فيصطحبه المطوع مع بقية الطلاب ليقومون بجولة على بيوت الأغنياء ويرددون ” التحميدة ” .
المدرسة الخيرية
أما بواكير التعليم النظامي فقد بدأ في عام ١٨٩٩ م، مع افتتاح الارسالية الامريكية، مدرسةً للبنات في المنامة ثم تلتها مدرسة أخرى للبنين في عام ١٩٠٢ م، وأغلب من من كان ينتسب إلى مدرسة الارسالية الامريكية كانوا من سكّان المنامة، هناك جماعة من أكابر البحرين مع جدّي الشيخ عبد الوهاب، رأوا أن التعليم النظامي أفضل، بدلاً من حكايات المطوع وغيرها، فاجتمعوا وقرروا ان يبدأوا التعليم النظامي، وأرادوا محل كي يكون مدرسة، ولم يكن هناك محلاً مؤهلاً لذلك إلا مدرسة علي بن إبراهيم الزياني كان قد بنى مدرسة دينية قرب مسجده الواقع في المحرق، وكان من عادة أهل البحرين، من تكن لديهم مساجد دائماً ما يبنون بجانبه مدرسة دينية، يدرسون فيها التعاليم الدينية والفقه والنحو، إنما مدرسة علي بن إبراهيم كانت كبيرة، فلما طلبوا من علي بن إبراهيم تأجير هذه المدرسة، تبرع بها لهم، وحرفوا فيها تحريفاً بسيطاً وجعلوها أول مدرسة وسُميت المدرسة الخيرية.
مدرسة الهداية الخليفية
بدأ هذه المدرسة الشيخ حافظ وهبة، وهو رجل مصري، وكما هو معروف كون الشيخ عبد الوهاب عالم ديني وطالما كان يسافر إلى العراق، ليتصل بعلماء الدين وفي الوقت ذاته رجل سياسي ويقاوم الاستعمار، والعراق كانت في غليان ضد الاستعمار، فكان يذهب إلى مقابلتهم، وفي هذا الأثناء اجتمع مع الشيخ حافظ وهبة، وطلب منه القدوم إلى البحرين ويكون مديراً للمدرسة. بعد الشيخ وهبة تولى المدرسة الشيخ عبد العزيز العتيقي، وهو رجل كويتي طيب،

وعلى أثر ذلك فكروا الجماعة في بناء المدرسة الهداية الخليفية، وبدأ البناء فيها عام ١٩١٩ م، واستغرق البناء عامين تقريباً إلى حين انتهاءه، وتحول التعليم من مدرسة علي بن إبراهيم الزياني إلى مدرسة الهداية الخليفية، وأسس مجلس المعارف منذ لك الوقت، وبدأ التعليم النظامي.
مدرسة للبنات
في عام ١٩٢٨م، فكروا أيضاً هؤلاء الجماعة في بناء مدرسة للبنات على النظام ذاته، ففكروا في مكان، ووجدوا عن طريق المصادفة بيت للمرحوم عبد الرحمن بن محمد الزياني في ” فريج  الزياينة " ويصلح مبدئياً أن يكون مدرسة، وتبرع الشيخ عبد الرحمن بالبيت، وفُتح كمدرسة لتعليم البنات، ودّرست فيها إثنتان من جماعة الزياينة، الأولى اسمها مريم والأخرى لطيفة، ومن ثم توالت المدارس كما هو معروف.

”اللهم أهدِ قومي“
فتح مدرسة الهداية الخليفية ومدرسة البنات فيما بعد، واجه هجوماً كبيراً من بعض المتزمتين من رجال الدين، وكانوا يصفون المدرسة بأوصاف سيئة، وكذلك تهموا الشيخ عبد الوهاب إنه رجل يجلب لهم تعاليم النصارى، وكانوا يشهرون به بهذا الأمر، فجاءت جماعة إلى الشيخ عبد الوهاب وطلبت منه الرد على هؤلاء، فسكت برهةً ثم قال الكلمة المعروفة : ” اللهم أهدِ قومي إنهم يجهلون“.
رفض والدي للبعثة
تولى ادارة المدرسة بعد حافظ وهبة وعبد العزيز العتيقي، عثمان الحوراني وكان رجل سوري متفتح وقومي نشيط، فكر في إرسال بعثة إلى جامعة بيروت الأمريكية، فأختار عدد من الأشخاص المتفوقين، ولحسن حظي كنت في ذلك الوقت في أعلى صف وكنت من المتفوقين فاختارني ايضاً، فلما عُرض الموضوع على والدي عارض بشدة، بحجة إنني صغير لا يمكنه أن يسمح لي بالسفر إلى بلد بعيد قد لا يمكنني التصرف فيه، ولكن عثمان الحوراني كان مصراً على قبولي للبعثة، فكان يتردد عدة مرات على والدي لإقناعه، والوالد غير مقتنع، فاحتار إلى أن وجد حلاً، والحمد لله إنه كان في صالحي، وكان الاقتراح إن الاستاذ أحمد العمران الذي كان مدّرساً في المدرسة ومن ضمن البعثة، وكان يسكن في ” فريج  الزياينه ”  قريب من بيتنا، أن يكون وصياً علي، فجاء بهذا الاقتراح إلى ووالدي ووافق.
في بغداد
 سافرتُ في البعثة وكنتُ أصغر طالب فيما بينهم، سفرنا كان عن طريق المركب إلى البصرة، ومن البصرة إلى بغداد، أوصاني والدي حين مرورنا إلى بغداد أن أذهب إلى زوجة الجد وأحضر لها هدية، حيث كان جدّي متزوجاً من امرأة من قبيلة من قبائل العراق، فكانوا زملائي في البعثة يُسمح لهم بالخروج والتنزه، إلا أنا لم يكن يُسمح لي، بحجة خوفهم علي، فأجلس بقرب النافذة وأنظر إلى العربات والمارين في الشارع، وفيما بعد قمت بتذكير الاستاذ أحمد العمران بطلب أبي بزيارة زوجة الجد، وإننا سنرحل عن بغداد في الغد، فرتب الأستاذ أحمد العمران وركبنا في العربة، وذهبنا إلى منزل الشيخ خميس الضاري المتزوج من أخت زوجة الجد، وهناك التقيت بها وأعطيتها الهدية وأوصلت لها تحية الوالد، وهذا هو كل ما رأيته من بغداد، بينما أخواني الزملاء لم يوفروا مكاناً في بغداد لم يروه
رحلتنا من بغداد
رحلنا من بغداد بسيارة عادية، والطريق لم يكن مُعبد إلا قسم بسيط منه، وبعده صحراء إلى دمشق، ومن دمشق إلى بيروت، والسفر كان بطيئاً، ومر علينا الليل، وكنا متراصين في السيارة، وأحياناً كنا نسمع غثيان البعارين، وحينما كنا نسمعها كنا نرتعد من الخوف ظانين إنهم كائنات متوحشة. حين وصلنا إلى دمشق ونمنا نوماً عميقاً بعد أن لفحنا الهواء العليل، في الصحراء اذ لم يستطع أحد منا النوم لأن السيارة كانت تهتز زيادة عن الحد، وحين نمنا لم نفتح أعيننا إلا ونحن في ساحة الجامعة الامريكية في بيروت.
لبنة وزيتون
حين جئنا إلى الجامعة تفاجأنا إن اكلهم يختلف عن أكلنا، فنحن معتادين على ” العيش“ والسمك والدجاج واللحم، بينما هم يأكلون الجبن واللبنة والزيتون، فالزيتون ليس شيئاً حلو المذاق وإنما مُراً، ولكنهم يكثرون منه ويشتهونه، وكذلك اللبنة والجبن، فكنا نتذمر من هذا الأمر، حتى إن بعضنا قد كتب إلى أهله، وأنا منهم، فهذا الأكل لا يسيغ لنا، ولكننا اعتدنا في نهاية الأمر. كانت مجموعتنا تتكون من كمال المهزع وعبد العزيز سعد الشملان وأحمد العمران وعبدالله محمد الباكر وعبد الرحمن قاسم المعاودة، وأنا.
بيلغريف يحاول إعادتنا
كان في ذلك الوقت، بلغريف هو المستشار لحكومة البحرين، وهو رجل من عائلة بريطانية ولكنه متشبع بروح الاستعمار، فهذه البعثة أُرسلت أثناء غيابه في العطلة الصيفية، وحينما عاد لم يكن مرتاحاً لإرسالهم، فحاول بكل وسيلة أن يُرجعهم وأحتج إن الميزانية لا تسمح بصرف مبالغ على البعثة.
ابن البحرين يكفيه تعلم مبادئ القراءة والكتابة
الحكومة البريطانية، التي كما هو معروف إنها استعمارية، حينما رأت في عثمان الحوراني رجلاً قوياً ومقاوماً للاستعمار، وكان له دوراً في بلاده في الشام مع الفرنسيين، قررت نفيه من البلاد، فلما سمعنا نحن أصحاب البعثة في هذا الأمر، اجتمعنا وأرسلنا برقية احتجاج، فمستشار حكومة البحرين اتخذ هذه البرقية ذريعة لإرجاعنا من البعثة، وفي واقع الأمر هو لا يريدنا أن ندرس. قرأت في مذكراته إنه قال إن ابن البحرين يكفيه أن يتعلم مبادئ القراءة والكتابة، ولا حاجة له أن يتعلم أكثر، وهذه العبارة كتبها بداية مجيئه إلى البحرين، لأنه جائنا مشرباً بفكرة استعمارية كاملة، وبعد سنوات في مكوثه في البحرين، وبعد أن رأى طيبة أهل البحرين ولطافتهم، وعلى الأخص الشيوخ والناس، وخالطهم، غير فكرته وبدأ هو بإرسال بعثات للتعليم، وحتى إنه كتب في مذكراته حين غادر البحرين ” لا أعرف كيف يمكنني أن أفارق هذا البلد، وصعبة مفارقتي للشيخ سلمان“.
مترجم للمستشار
بدأت تدريس الرياضيات في مدرسة الهداية، لمدة سنة واحدة أو ما قاربها، وبعد ذلك نُقلت إلى دار المستشارية بصفة مترجم، وكاتب المكاتيب العربية وخاصة المُرسلة إلى أمير البلاد، وفي الوقت ذاته كنت أقرأ على المستشار، جميع المكاتيب العربية المُرسلة إلينا، وهو يضع تعليقه بالجواب، ومن ثم أكتبه بالعربي.

إرسال تعليق

0 تعليقات